في عام 1320 ميلادية، وبينما كانت اسكتلندا تخوض معركة وجود ضد إنجلترا، وقف نبلاء إسكتلندا أمام البابا يوحنا الثاني والعشرين، حاملين وثيقة عرفت باسم "إعلان أروبروث". لم يكن الإعلان مجرد مطالبة بالاستقلال فحسب، بل كان دفاعا عن أمة تبحث عن شرعية وجودها في أعماق التاريخ. فقد أدرك هؤلاء النبلاء أن الشعب الذي يستطيع أن يثبت أن له ماضياً عريقاً، يستطيع أن يطالب بأن يكون له مستقبل مستقل.
وهنا تبدأ واحدة من أغرب الحكايات في التاريخ الأوروبي، حكاية أميرة مصرية تدعى "سكوتا" أو "سكوتيا"، تقول السرديات الاسكتلندية والأيرلندية إنها كانت ابنة فرعون مصري، وإنها أصبحت الأم الرمزية لأمة كاملة، بل إن اسم اسكتلندا نفسه اشتق، وفقا للأسطورة، من اسمها.
قبل أن تدخل سكوتا إلى التاريخ الاسكتلندي، كانت حاضرة في الذاكرة الأيرلندية منذ قرون. ففي "كتاب احتلال أيرلندا"، أحد أهم النصوص الأيرلندية في العصور الوسطى، تظهر "سكوتا" بوصفها ابنة فرعون مصري وأماً للجد الأسطوري للشعوب الغيلية (وليس الغاليين من بلاد الغال).
ولم تكتف الرواية بذلك، بل مزجت بين النسب المصري والموروث التوراتي لتمنح هذا الأصل الأسطوري قداسة ورسوخاً، فربطت سكوتا بقصة الفرعون المصري الذي عاصر النبي موسى، وجعلت خروجها من مصر امتدادا لخروج بني إسرائيل.
ويرى المؤرخ إدوارد كوان أن أول ظهور معروف لسكوتا في الأدب يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي. ومن أيرلندا انتقلت الحكاية إلى اسكتلندا؛ حيث تبنّاها مؤرخوها في القرن الرابع عشر، لتتحول تدريجيا من أسطورة عن الأصول إلى جزء من السردية التاريخية للأمة الأسكتلندية.
وفي أربعينيات القرن الخامس عشر، كان المؤرخ الاسكتلندي والتر باور يكتب في دير إنشكولم، على جزيرة صغيرة في خليج فورث، موسوعته "التاريخ الاسكتلندي"، أحد أهم الأعمال التاريخية في اسكتلندا خلال العصور الوسطى. وجعل باور من سكوتا نقطة البداية في تاريخ اسكتلندا؛ فهي، وفقا لروايتها، ابنة فرعون مصري، غادرت مصر مع زوجها، ثم انتقل نسلهما عبر شبه الجزيرة الإيبيرية إلى أيرلندا، قبل أن يعبر إلى الساحل الغربي لإسكتلندا.
وفي "التاريخ الإسكتلندي" (Scotichronicon)، ربطت الأسطورة الشعبية أصل الإسكتلنديين بمصر، حيث يُقال إن سكوتا كانت ابنة الفرعون "شينيريس"، وإن نسلها من زوجها "غايثيلوس" هم من حملوا اسم "سكوتس" تكريمًا لها.
وترى بعض الروايات انها لها علاقة ب توت عنخ آمون، التي تصفها بأنها أخته غير الشقيقة، إذ تذكر بعض المصادر أنها ابنة أخناتون ونفرتيتي، وأنها هربت من مصر بعد خلاف مع عائلتها.
ويرى باحثون مثل ديفيد إيليس أنها في الحقيقة عنخ إسن آمون، زوجة توت عنخ آمون وابنته أخناتون ونفرتيتي، مستندين في ذلك إلى نصوص نسبت إلى المؤرخ المصري مانيتون. وبعد وفاة توت عنخ آمون، تزوجت عنخ إسن آمون من الفرعون آي، الذي يُرجح أنه والد توت عنخ آمون، ثم أُجبر على النفي مع بلاطه بسبب صراعات دينية، فهربا معًا من مصر. وتشير الرواية إلى أنهما عبرا البحر المتوسط مع ألف من أتباعهما، ووصلا أولًا إلى إسبانيا حيث عاش نسلهم عدة أجيال، ثم انتقلوا لاحقًا إلى أيرلندا ومنها إلى اسكتلندا.
لم تكن سكوتا وحدها من حملت التاريخ المصري إلى اسكتلندا، بل حملت معها أيضا حجرا غامضا عرف بـ"حجر المصير" أو "حجر سكون". تشير الأسطورة إلى أن سكوتا حملت الحجر معها من مصر إلى أيرلندا، ثم وصل لاحقا إلى اسكتلندا ليصبح رمزا لشرعية الملوك. وقد كان هذا الحجر يستخدم في تتويج الملوك الإسكتلنديين، وظل رمزا مقدسا في التاريخ الاسكتلندي لقرون طويلة، حتى نقل إلى إنجلترا في عام 1296 على يد الملك إدوارد الأول، قبل أن يعاد إلى اسكتلندا في عام 1996 بعد قرار من الحكومة البريطانية.
. لكن الرمز الأكثر ارتباطًا باسم اسكتلندا هو "صليب القديس أندرو" (Saltire)، وهو صليب أبيض قطري على شكل إشارة X على خلفية زرقاء.
يرتبط هذا العلم بأسطورة القديس أندرو، شفيع إسكتلندا، الذي استشهد على صليب مائل من هذا الشكل. وتقول الأسطورة إن هذا الصليب ظهر في السماء قبل معركة حاسمة انتصر فيها الاسكتلنديون على الإنجليز، فاتخذوه شعارًا لهم.
ويعود تاريخ هذا العلم إلى زمن سحيق، إذ تشير السجلات إلى أن أقدم استخدام معروف له كرمز وطني يمثل اسكتلندا يعود إلى عام 1286، عندما ظهر على ختم "حراس اسكتلندا". ويُعتقد أن معركة "أثيلستانفورد" في عام 832 ميلادية هي التي شهدت ميلاد هذا الرمز، حين رأى الملك أنغوس ماك فيرغوس تشكيلًا من السحاب على شكل صليب أبيض في السماء الزرقاء، فتعهد بأن يجعل القديس أندرو شفيعًا لاسكتلندا إذا انتصر، وقد انتصر فعلًا.
لكن العلاقة بين سكوتا والعلم الاسكتلندي أعمق من مجرد أسطورة القديس أندرو. فاسم "سكوتا" نفسَه ارتبط بالشعب الإسكتلندي، الذي عُرف باسم "Scots"، ومنه اشتُق اسم "Scotland".
وفي منتصف القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة الأمريكية على شفا حرب أهلية مدمرة. في عام 1861، أعلنت إحدى عشرة ولاية جنوبية انفصالها عن الاتحاد الفيدرالي، وشكلت ما عرف بـ"الولايات الكونفدرالية الأمريكية"، رفضا لمحاولات الحكومة الفيدرالية المركزية إلغاء نظام العبودية الذي كان العمود الفقري لاقتصاد الجنوب الزراعي، بالاضافة الى أسباب اخرى.
لقد كانت الكونفدرالية بحاجة إلى رموز تجمع صفوفها، فظهرت عدة أعلام خلال سنوات الحرب، لكن العلم الذي ارتبط بها في الذاكرة الجماعية هو "علم المعركة الكونفدرالي"، المعروف أيضا بـ"الصليب الجنوبي"، وهو علم أحمر يتوسطه صليب أزرق مائل مرصع بالنجوم البيضاء. وتم الموافقة عليه من رئيس الكونفدرالية الجنوبية جيفرسون ديفيس، وقد صممه ويليام بورشر مايلز، أحد مساعدي الجنرال الكونفدرالي بي. جي. تي. بيورغارد، بعد معركة ماناساس الأولى (بول ران) التي كادت فيها الأعلام المتشابهة أن تسبب كارثة عسكرية بسبب الالتباس بين علم الاتحاد وعلم الكونفدرالية.
وهنا يبدأ التقاطع المثير بين اسكتلندا وعلم الكونفدرالية. فالصليب المائل الأزرق الذي يتوسط العلم الكونفدرالي ليس مجرد تصميم عشوائي، بل هو مستوحى بشكل مباشر من "السالتير الاسكتلندي".
وقد صرّح آرثر إل. روجرز، مصمم النسخة النهائية للعلم الكونفدرالي، بأن العلم كان مبنيًا على السالتير الاسكتلندي، مشيرًا إلى أنه يرمز إلى "الأصول الأساسية لشعب الكونفدرالية"، مع الصليب المائل للعلم الاسكتلندي والشريط الأحمر من علم فرنسا. وزبما يشير هذا الى أن ابناء الولايات الجنوبية كانوا يحاربون الولايات الشمالية التي كانت مستعمراتها تُسمي نيو انجلاند أي انجلترا الجديدة !
ويُقال إن هذا التصميم وجد طريقه إلى أمريكا عبر نوفا سكوتيا (Nova Scotia)، وهي احدى المقاطعات الكندية الواقعة على الساحل الشرقي، حيث هاجر الاسكتلنديون إلى الولايات الجنوبية الأمريكية حاملين معهم تبجيلهم للأميرة سكوتا وللقديس أندرو.
لقد كان علم الكونفدرالية، بصليبه المائل ونجومه البيضاء، يعكس الأصل الاسكتلندي لكثير من سكان الجنوب الأمريكي، الذين هاجر أسلافهم من اسكتلندا وأيرلندا إلى الولايات المتحدة في القرون السابقة.
النهاية..