ثمة قاعدة بسيطة تفسّر الكثير من الفشل البشري: حين نختار مقياسًا معيّنًا للحكم على النجاح، يتحوّل الناس شيئًا فشيئًا إلى خدمة المقياس نفسه، لا إلى خدمة النتيجة التي وُضع المقياس من أجلها. يسمّيها الاقتصاديون "قانون غودهارت".
خذ مثال الجرّاحين. حين صارت تُنشر تقييمات علنية لهم حسب نسب الوفيات، صار بعضهم يرفض الحالات الصعبة. السبب ليس عجزهم، بل علمهم أنهم لو أنقذوا اثنين في المئة من حالات محكوم عليها بالموت أصلًا، فسيظهرون في الجداول كجرّاحين فاشلين. المقياس تحسّن، والمرضى خسروا.
وهذا لا يخصّ الطب وحده، بل ينطبق على الحياة كلها، وعلى السياسة بالخصوص، حين تحلّ الشعارات الكبرى محلّ النتائج: "مصير الطبقة العاملة"، "الجدلية المادية"، "دكتاتورية البروليتاريا". وقد اعترف السوفيات أنفسهم بهذه المشكلة. ففي سنة 1962 نشر الاقتصادي السوفياتي يفسي ليبرمان مقالًا في جريدة "برافدا" ينتقد قياس أداء المصانع بحجم الإنتاج الإجمالي، لأنه يدفعها إلى إنتاج ما يحقق الرقم لا ما يحتاجه الناس. وفي سنة 1965 جاء إصلاح كوسيغين ليتخلى رسميًا عن هذا المقياس.
جوهر المشكلة أننا كبشر لسنا كاملين. لا نرى الصورة كاملة، وحتى بحثنا عن الحقيقة التجريبية يقوم في أغلبه على التخمين: نفترض، ونجرّب، ونخطئ، ونصحّح. وهذا ليس عيبًا في ذاته، فالتخمين ثم التفنيد هو محرّك العلم نفسه كما بيّن كارل بوبر. لكنه يجعلنا عرضة لرأي الآخر وللسلطة، لأن كل واحد يستطيع أن يخمّن كما يشاء، حتى لو انطلق من مسلّمات صحيحة.
وهذا يحدث في كل المجالات وعلى كل المستويات. لذلك، وإن كنا لا نحب الاعتراف بذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الحياة البشرية يسير بالتخمين والتجربة، وهما يتجاوزان الأيديولوجيا بكثير. بل إن أكبر الأزمات لا تُتجاوز إلا بالتخمين، لأن الأزمة لو كانت قابلة للحسم من البداية لما كانت أزمة، بل روتينًا وبروتوكولًا.
هنا تكمن مشكلة الفكر الشيوعي في رأيي. المعرفة التي يُدار بها العالم فعلًا معرفة مبعثرة، موزّعة على ملايين الناس، وكثير منها ضمني لا يُكتب في الكتب: الفلاح الذي يعرف أرضه، والخبّاز الذي يعرف فرنه، والحدّاد الذي يعرف معدنه. لا يستطيع أي مخطِّط مركزي، مهما كان ذكيًا ومخلصًا، أن يجمع كل هذا في مكتب واحد، ولا أن يضع له مقياسًا لا يُحتال عليه.
ولعلّ الانتقال من ستالين إلى خروتشوف دليل آخر على هذا. فخروتشوف لم يأتِ من خارج المنظومة، بل صعد داخلها وكان من أقرب المقرّبين إلى ستالين. وبعد موت ستالين لم تحسم الخلافة أيُّ نظرية علمية، بل حسمتها المناورات والتحالفات والإقصاءات. فإذا كان الحزب طليعة تحمل علمًا دقيقًا، فكيف أوصل بآلياته نفسها "تحريفيًا" إلى رأس السلطة؟ إمّا أن المنظومة عاجزة عن إعادة إنتاج نفسها، وإمّا أن تهمة "التحريفية" جاءت لاحقًا لتفسير نتيجة لم يتوقّعها أحد. وفي الحالتين، يبقى التخمين والأنا البشرية أقوى من النظرية.
وفي تونس تحديدًا، يبدو لي أن كثيرًا من الشيوعيين انفصلوا عن مناهج المعرفة التطبيقية، ربما لأنهم يشعرون أن الواقع مبني على أسس رأسمالية فيعيشون فيه بغربة. أغلب الناس يريدون الخبز، ولا يهمّهم كيف ينمو القمح نموًّا أُسّيًا ثم خطّيًا ليرسم في النهاية منحنى على شكل سيغمويد، ولا كيف يعمل الفرن الذي يطهو الخبز، ولا كيف يُصهر الحديد ويُخلط بالكروم ليصير فولاذًا صالحًا للطعام. لكن من يريد أن يحكم ويدير، عليه أن يفهم كل هذا أو أن يحترم من يفهمه.
بعبارة أخرى، يبقى الشيوعي في أحيان كثيرة شاعرًا وحالمًا يصنع عالمه في اللغة. ولا أقول هذا تهكّمًا، فالإحساس بالظلم والرغبة في العدالة دوافع نبيلة وحقيقية. لكن حين يتحوّل الحلم إلى ثورة، يصطدم بواقع مليء بالتخمين وبالأنا البشرية: الأنا نفسها التي حاول الشيوعيون تهدئتها بالشعارات والأيديولوجيا، لكنها بقيت دائمًا محكومة بالغرائز، بالخوف والجوع والرغبة، وبالارتباك أمام الآخر. الدماغ الذي تتحكم فيه الأمغيديلا ، ما نعرفه، ما ندركه و ما لا نراه فيه.
هذا ناهيك على كل المشاكل التي لا تحل الا بالعنف فداخل الانظمة الشيوعية لغياب حكم ثالث خارج السلطة، بالتحديد سلطة من يملك السلاح