وُلد الأزهر الشرايطي يوم 19 مارس 1919 بمنطقة أولاد شريط في ريف قفصة. وكان شخصية قيادية منذ طفولته، عُرف بشجاعته وعدم خوفه من شيء. لم يتلقَّ تعليماً، فكان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، وعمل في شبابه عاملاً في منجم المظيلة.
في عام 1947، وبعد صدور القرار المشؤوم بتقسيم فلسطين، ومع إعلان العرب عزمهم على خوض الحرب، تطوّع عدد كبير من العرب من مختلف الدول للجهاد، ومن بينهم تونسيون. وكان الأزهر الشرايطي آنذاك في الثامنة والعشرين من عمره، فلبّى نداء الجهاد، وتوجّه إلى فلسطين عبر ليبيا سيراً على الأقدام حتى وصل إلى مصر، وفقاً لما روته ابنته.
هناك، حمل السلاح وشارك في الحرب إلى جانب المتطوعين التونسيين.
وللأسف، انتهت الحرب بهزيمة العرب.
وصل صيت الشرايطي إلى تونس باعتباره مجاهداً شجاعاً وبطلاً من أبطال التونسيين الذين شاركوا في الدفاع عن فلسطين. وكان لا يزال في مصر عندما اتصل به الحبيب بورقيبة، طالباً منه العودة إلى تونس، وقال له حرفياً: «ارجع إلى بلادك وقاوم».
وفي عام 1949، عاد الشرايطي إلى تونس مجاهداً وبطلاً يحظى باحترام الجميع. ومن باب الإنصاف التاريخي، كان بورقيبة في تلك الفترة زعيماً وطنياً يتمتع بشعبية كبيرة في تونس، بصرف النظر عمّا حدث لاحقاً.
بداية الكفاح المسلح في تونس
في أواخر عام 1951، زار الحبيب بورقيبة مدينة قفصة، وعُقد اجتماع مع الدستوريين والنقابيين. وفي نهاية الاجتماع، انفرد بورقيبة بالزعيم أحمد التليلي والأزهر الشرايطي، واتفقوا على ضرورة اللجوء إلى العمل المسلح، وكُلّف الشرايطي بقيادة الكفاح المسلح.
وفي عام 1952، أصدر المقيم العام الفرنسي أمراً باعتقال الحبيب بورقيبة والمنجي سليم، فاندلعت الاحتجاجات وأُعلن العصيان المدني بدعم من الاتحاد العام التونسي للشغل وزعيمه فرحات حشاد.
وقابلت سلطات الاحتلال الاحتجاجات بالقمع، وسقط عدد من الشهداء.
أمام هذا التصعيد، واجه الشرايطي ورفاقه الاحتلال الفرنسي بالمقاومة المسلحة. وقد مكّنته خبرته العسكرية التي اكتسبها خلال حرب فلسطين من تدريب المقاومين على التكتيكات الحربية، مع التشديد على ضرورة الاقتصاد في استخدام الذخيرة بسبب نقصها.
وتمكّن الشرايطي ورفاقه من تكبيد قوات الاحتلال خسائر كبيرة.
وفي ربيع عام 1954، عُقد مؤتمر للمجاهدين في جبل سمامة، وانتُخب الأزهر الشرايطي قائداً عاماً للمقاومة، فيما اختير الطاهر لسود نائباً أول، والساسي لسود نائباً ثانياً.
تسليم السلاح مقابل الاستقلال الداخلي
بعد أشهر من تأسيس جيش التحرير، وبعد سنوات من المقاومة المسلحة، انطلقت مفاوضات بين ضباط فرنسيين واثنين وعشرين مندوباً تونسياً، انتهت بإصدار نداء يدعو إلى تسليم السلاح مقابل الحصول على الاستقلال الداخلي.
وفي 8 ديسمبر 1954، التقى أحمد التليلي بالثوار في سيدي عيش. ووافق الأزهر الشرايطي والطاهر لسود على تسليم السلاح، حرصاً منهما على وحدة القرار الوطني، في حين رفض الساسي لسود تسليم سلاحه، وفقاً للرواية الواردة في هذا النص.
وتشير روايات إلى أن الشرايطي سلّم الأسلحة القيّمة إلى الثوار الجزائريين، بينما كانت الأسلحة التي سلّمها إلى الفرنسيين خفيفة وقديمة.
ما بعد الاستقلال: من المجاهد إلى الشهيد
تلك هي سيرة أسد جبل عرباطة، الأزهر الشرايطي، خلال مرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، قبل استقلال تونس.
بعد ذلك، ظلّ الشرايطي على الحياد في الخلاف بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، واختار النهج السلمي والابتعاد عن الصراعات السياسية.
لكن الأحداث تغيّرت مع محاولة الانقلاب التي شهدتها تونس سنة 1962، والتي يُقال إن الشيخ عبد العزيز العكرمي كان يقودها فعلياً، غير أن الشرايطي أُقحم فيها، وفقاً لما يذكره بعض المؤرخين. وتبقى هذه القضية موضوعاً يستحق البحث والتوثيق، ولعلّنا نعود إليها في مناسبة أخرى.
وفي شتاء عام 1963، نُفّذ حكم الإعدام في المجاهد الأزهر الشرايطي، أسد جبل عرباطة وأحد أبرز قادة المقاومة المسلحة في تونس.
رحل الرجل الذي حمل السلاح في فلسطين، ثم قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في تونس، لتنتهي حياته بالإعدام بعد سنوات قليلة من الاستقلال.
الصورة: للمجاهد الأزهر الشرايطي، نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية سنة 1954 ضمن إعلان للتفتيش عنه.